بسم الله الرحمن الرحيم

* إلتهاب الكبد الفيروسي نوع آ ، هو أشهر الأمراض الفيروسية الكبدية التي تصيب الأطفال (50% من فيروسات الكبد ).

* لكنه  انخفض كثيراً عن السابق بعد انتشار التلقيح ضد هذا الفيروس للأطفال .

* وهو بحمد الله ، من أبسط الفيروسات الكبدية ، وأغلب حالاته خفيفة ، وذاتية الشفاء ، وعجز الكبد مع هذا الفيروس نادر جداً ، ويصيب الكبار وليس الأطفال .

* الفيروس المسبب للمرض من نوع (RNA virus ).

* هذا الفيروس شديد العدوى ، وينتقل بشكل أساسي من طفل مريض إلى طفل سليم عبر الاحتكاك المباشر ، أو من خلال تناول أطعمة أو مشروبات ملوثة بالفيروس ، أو سفر الطفل مع أهله إلى مناطق موبوءة بهذا الفيروس .

كما يحصل في ( البيوت أو المدارس أو الروضات أو السكن الداخلي المغلق ) إذا حصلت إصابة لأحد الأفراد الموجودين فيها .

ونادراً ما ينتقل عبر الدم ، أو عن طرق أخرى كما في بقية الفيروسات .

* وإذا أصيبت الأم الحامل بهذا الفيروس في أواخر الحمل ، أو أثناء الولادة ، فنادراً ما ينتقل إلى المولود ، أو يسبب له أية مضاعفات .

* فترة حضانة المرض ( Incubation Period) :

* وهي الفترة من لحظة دخول الفيروس إلى جسم الطفل إلى ظهور المرض عليه حوالي ( شهر ).

* يبدأ الطفل بطرح الفيروس في برازه ، وبالتالي يبدأ بالعدوى للأطفال الآخرين من نهاية فترة الحضانة ، وقبيل ظهور المرض ، وتستمر العدوائية إلى ما بعد ظهور اليرقان على الطفل المريض بحوالي ( أسبوع إلى أسبوعين ).

* الصورة السريريّة (Clinical Manifestation ):

* يبدأ المرض على الطفل المصاب بشكل حاد ومفاجئ (Abrupt ).

* يشكو الطفل من :

- حرارة ( Fever)

- فقدان شهية (Anorexia )

- غثيان وتقيؤ (Nausia & Vomiting )

- تعب عام وإعياء (Malaise )

- ألم أو مضض في البطن (Abd.Pain )

- ثم يظهر اليرقان (Jaundice ) وهو العلامة التي تقلق الأهل ، وتدفعهم لمراجعة الطبيب .

* يستمر المرض في الطفل ( أسبوع إلى أسبوعين ).

* إذا فحصنا الطفل في المرحلة الحادة فقد نجد :

- ضخامة العقد اللمفاوية (Lymphadenopathy ) .

- تضخم الطحال (Splenomegaly )

- لو فحصنا نقي العظم في هذه المرحلة لوجدناه قليل الخلوية (Hypoplastic )

* المرض متخصص بالكبد أساساً ، ولكنه في حالات نادرة قد ينتقل إلى (  البكرياس ،  عضلة القلب ،  الكلى ، المفاصل ، الأوعية الدموية .. إلخ ) .

* تشخيص المرض ( Diagnosis):

* يشخص المرض أساساً باكتشاف أجسام مضادة للفيروس في دم الطفل من نوع خاص ( Anti-HAV= immunoglobulin IGM)

* تكتشف هذه الأجسام المضادة من لحظة ظهور الأعراض على الطفل ، وتستمر بالارتفاع ( تستمر موجبة ) ( 4-6) أشهر .

* بينما تظهر الأجسام المضادة للفيروس نوع ( IGG) متأخرة بعض الشيء (بعد شهرين من ظهور المرض) وتبقى موجبة في دم الطفل لحمايته لفترة طويلة .

* ونادراً بعزل الفيروس من براز الطفل ، وكما قلنا يبدأ الطفل بإفراز الفيروس عبر برازه (أسبوعين قبل ) و ( أسبوع إلى أسبوعين بعد ) ظهور المرض على الطفل ( والمقصود بعد ظهور اليرقان على الطفل ) .

* والآن توجد طريقة  (Viral polymerase Chain Reaction = PCR )

* ارتفاع وظائف الكبد جميعها تقريباً  ( ALT , AST, Bilirubin , Alk.Phos ,)

ولكنها عامة ولا تفيدنا في معرفة نوع الفيروس المسبب .

* المضاعفات (Complications ) :

* قلنا بأن أغلب الحالات تشفى بشكل كامل بفضل الله ، بدون أن تترك أية مضاعفات .

* ولكن ثمة مضاعفات نادرة في هذا المرض من أهمها :

- فشل الكبد الحاد (Acute Liver Failure )

- والإزمان (Prolonged Cholestasis Syndrome )

* العلاج ( Treatment) :

* لا يوجد مع الأسف حتى الآن علاج نوعي لهذا المرض .

* وكل الذي نستطيعه هو علاج داعم للجسم بشكل عام (  سوائل ، خافضات للحرارة ،  فيتامينات ) .. 

ودرجت العادة على أن نمنع الأطفال من الدهنيات ، ونشجّعهم على تناول الحلويات البسيطة وغير المعقدة لإراحة الكبد .

مع مراقبة حذرة للمضاعفات ، وإرسال الطفل فوراً لزراعة نخاع العظم في حالة حصول الفشل الكبدي الحاد لا قدّر الله .

* الوقاية ( Prevention) :

* عزل الطفل في البيت ، ومنعه من الذهاب إلى المدرسة أو الروضة أو أي تجمع للأطفال في فترة عدوائية المرض ، وهي كما ذكرنا (أسبوعين قبل ) و (أسبوع إلى أسبوعين بعد ) ظهور المرض بشكل سريري ، وأعني هنا ظهور اليرقان (Jaundice )

* العناية الصارمة بالنظافة الشخصية  من قبل الأم ، وغسل يديها بشكل متكرر ، وخاصة قبل تحضير الحليب والطعام ، وبعد تغيير الحفاضة وتشطيف الطفل .

* اللقاح (Vaccine ):

* يتوفر لقاحان لهذا المرض بحمد الله من النوع المعطّل (Inactivated ) ، ويتميزان بأنهما أمينان جداً ، وفعّالان جداً في الوقاية وحماية الأطفال .

* كلاهما يعطيان للأطفال من بعد السنة من العمر ، وعلى جرعتين ( في المملكة نعطي الجرعة الأولى في عمر 18 شهر ، والثانية في عمر سنتين ).

* تعطى الجرعتان في العضلة .

* درجة الحماية للطفل تقارب ( 90%) بعد الجرعة الأولى ، وتصل إلى ( 100%) بعد الجرعة الثانية .

* يمكن إعطاء اللقاح بشكل متزامن مع لقاحات أخرى ، طبعاً كل لقاح يعطى بشكل منفصل ، وفي مكان مختلف من الجسم .

* اللقاح مفضل على المناعة السلبية لطفل أكثر من سنة ونتوقع أن يتعرّض للمرض ( مثال : طفل أكبر من سنة ويريد أن يسافر لمنطقة موبوءة ، نعطيه لقاح قبل السفر ) .

* في حال حصول وباء في مدرسة ، نجري حملة وطنية تطعيم لكل أطفال المدرسة (Mass Immunization ) .

* اللقاح يعطى أيضاً بعد تعرّض الطفل للمرض مباشرة ، وذلك نظراً لطول فترة حضانة المرض من جهة ، وسرعة إستجابة الجسم بتشكيل أجسام مضادة واقية للطفل من جهة أخرى ، وهناك مدارس تعطي ( اللقاح مع المناعة السلبية بعد التعرّض للمرض ).

* المناعة السلبية (Passive Immunity = IGG ) :

* نعطي المناعة السلبية ، وهي أجسام مضادة جاهزة مستخلصة من الدم الإنساني ، على شكل حقنة عضلية ، لحماية الأطفال بشكل سريع من الإصابة بهذا المرض .

* قبل تعرّض الطفل للمرض :

لنفرض أن عائلة ستسافر إلى بلاد موبوءة بهذا المرض ، ومعها طفل صغير فننظر :

* إذا كان عمر الطفل أكثر من سنة ، ومدّة السفر بعيدة :

-   هنا نعطي الطفل لقاح (Vaccin ) ليحميه على المدى البعيد ، لأن وقت السفر متأخر ، ولسنا في عجلة من أمرنا .

-   أما إذا كانت مدّة السفر قريبة (أقل من ثلاثة أشهر ) فلنا الخيار ، إما أن نعطي جرعة مناعة سلبية ( أجسام مضادة ) أو نعطي لقاح كذلك .

* أما إذا كان الطفل أقل من سنة : فننظر :

- فلا خيار لنا غير إعطاء المناعة السلبية ، لأن اللقاح كما نعلم لا يعطى لطفل أقل من سنة .

* أما بعد تعرّض الطفل للمرض :

1. أفراد عائلة شخص مصاب في البيت

2. زوج يعاشر زوجته المصابة

3. الأطفال والعاملين في مدرسة أو مستشفى أو قرية وحدث وباء فيها …

* إلى كل هؤلاء ننظر :

- إذا كانت المسافة الفاصلة بين تعرّض الطفل للمرض أقل من أسبوعين ، هنا نعطي الطفل المتعرّض ( مناعة سلبية + لقاح ) إذا كان عمر الطفل أكبر من سنة .

- وإذا كانت المدة الفاصلة بين تعرّض الطفل أكثر من أسبوعين ، فلم يعد هنا دور للمناعة السلبية الجاهزة ، بل نعطي لقاح فقط إذا كان عمر الطفل أكثر من سنة ) .

والجدول التالي يلخّص هذه المعلومات (الجدول سيء مع الأسف وغير مفيد بسبب قالب البرنامج ):

Dose

PreExposure

Age

IGG = 0.02 ml/kg IM

< 3 mo

<1yr

= 0.06 ml/kg

IM

> 3m

 

Vaccin or 0.02ml/kg

< 3m

> 1yr

Vaccin or 0.06ml/kg

> 3 mo

 

 

 

Post Exposure

 

0.02ml/kg + vaccine if > 1yr

<- 2wk

Since exposure

No IGG

Vaccin if > 1yr

>- 2wk

=

* إنذار المرض ومستقبله (Prognosis ) :

* المرض يشفى بفضل الله بشكل كامل ، ومستقبل الطفل ممتاز  ، ما عدا حالات نادرة جداً سُجل فيها فشل كبدي حاد .

مع تمنياتي لجميع أطفالنا الحلوين بالصحة التامّة والعافية الدائمة

د . فواز القاسم

إستشاري طب الأطفال والرضّع والحاضنات

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

* يعاني بعض المواليد الجدد من إلتهاب في ملتحمة العينين ( Conjunctivitis) تؤدي

إلى إفرازات قيحية من العينين ، يسمونها في هذه البلاد ( الغَمَس ) ، تقلق الأهل ، فيسرعون بالمولود إلى طبيب الأطفال غالباً ، بدلاً من أن يتوجهوا إلى طبيب العيون ،

لثقتهم به  من جهة ، ولاعتقادهم بأنه هو من يجب أن يرعى مواليدهم مهما كانت شكواهم .

* ولما كان طبيب الأطفال هو في الغالب من يرى هذه الحالة ، لذا توجب عليه أن يكون لديه معرفة وإلمام جيد بها ، فيشخّص الحالة تشخيصاً

 صحيحاً ، ويعطي العلاج المناسب لها ، أو يحوّلها فوراً إلى طبيب العيون ، وأي إهمال ، أو عبث بها ، قد يؤدي بالمولود إلى العمى لا سمح الله ،

 من أجل ذلك أعددنا هذا البحث المختصر .

* طرق انتقال العدوى :

تنتقل العدوى للمولود الجديد من أمه أثناء الحمل أو أثناء الولادة أو من المستشفى .

1. العدوى التي انتقلت إلى المولود من أمه أثناء فترة الحمل ( Prenatal)

تظهر أعراضها فوراً بعد الولادة ( لحظة الولادة  At Birth )

2. والعدوى التي انتقلت إلى المولود الجديد أثناء ولادته ومروره بالقناة التناسليّة الملوّثة للأم ( Natal) تظهر أعراضها وعلاماتها بعد الولادة ،

لكن بفترة لا تتجاوز ( 72) ساعة من لحظة الولادة .

3. أما العدوى التي اكتسبها المولود من المستشفى بسبب الإهمال ، وقلة النظافة ، وعدم غسل أيدي الممرضات والأطباء بشكل صارم

( Post Natal) فتظهر أعراضها وعلاماتها بعد مرور (72 ) من الولادة .

* المسببات :

1. جرثومة السيلان (Gonococcal Infection ) :

* أهم ما يميّز هذه الجرثومة هو كثرة إفراز الصديد من العين المصابة (Copious Pus ) .

* إذا أهملت هذه الجرثومة ولم تعالج بسرعة فقد تؤدي إلى عمى المولود لا سمح الله

* التشخيص :  

* نأخذ عينة من صديد العين فنزرعها .

* ثم نأخذ عيّنة أخرى فنصبغها بطريقة ( Gram Stain) ونفحصها تحت المجهر ، فإذا رأينا جرثومة (Gram Negative Diplococci )

فنلجأ إلى العلاج فوراً ، أو نحيل المولود  إلى طبيب العيون ، لأن هذه الجرثومة خطيرة ، وقد تسبب العمى كما ذكرنا .

* العلاج :

1. غسل العينين بقطرات بنسلين ( Penicillin Drops / 20 000 unit / ml ) / كل خمس دقائق .

2. فإذا لم تتوفر تلك القطرات ، فنغسل العينين بمحلول ملحي (Normal Saline ) كل خمس دقائق أيضاً .

3. نعطي مضاد حيوي ( Ceftriaxone) بجرعة محسوبة / حسب وزن المولود / على شكل حقنة عضلية أو وريدية / يومية / لمدة ثلاثة أيام .

2. جرثومة الكلاميديا (Chlamydia )

* إفرازها للقيح من العينين أقل من جرثومة السيلان السابقة الذكر .

* نشخّصها بفحص عينة من القيح تحت المجهر بعد تلوينه بطريقة (Immunofluorescent Stain ) .

* نعالجها بمرهم تتراسيكلين (Tetracycline Eye  Oint ) للعين / ثلاث مرات يومياً + شراب إرثرومايسين ( Erythromycin) عن طريق الفم / ثلاث مرات يومياً / لمدّة أسبوع .

3. أما بقية الحالات :

فنتقيها ونعالجها بمرهم كلورأمفينيكول ( Chloramphinicol) أو مرهم تتراسيكلين (Tetracycline Eye Oint ) بشكل روتيني بعد الولادة / ثلاث مرات يومياً / ولمدة خمسة أيام .

مع أطيب تمنياتي بالصحّة والعافية لأطفالنا الحلوين

د . فواز القاسم

إستشاري طب الأطفال والرضّع والحاضنات

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

* تعريف عندما تهبط حرارة المولود الجديد إلى ما دون (35  ) درجة مئوية ، نقول بأن لديه هبوط في الحرارة .

- الطبيعي (36.5 – 37  ) درجة مئوية .

- نقيس الحرارة إما من الأذن أو تحت الإبط أو الشرج .

* العوامل المؤهبة :

- ولادة طفل في أجواء باردة ( صالة ولادة باردة في الشتاء بدون تدفئة ، أو ولادة في البيت البارد في الشتاء بدون تدفئة ) .

- طفل خديج ، أو ناقص الوزن .

* مخاطر تعرّض المولود للبرد : قد يبدو المولود متورداً ، مما يوحي أنه بخير ، ولكنه في خطر عظيم . وقد نلاحظ الأعراض والعلامات التالية :

- خمول : Lethargy

- نقص الأكسجين : Hypoxia

- رفض الرضاعة :  Reluctant To Feed

- هبوط السكر  في دم المولود : Hypoglycemia

- بطء ضربات القلب لدى المولود : Bradycardia

- توقف التنفس : Apnea

- تيبّس الجلد :  Sclerema

- وأخطر تلك الأعراض والعلامات حصول نزف من الرئة :  Pulmonary Haemorrhage 

* الوقاية : أي إجراءات منع حصول ضربة برد لدى المواليد الجدد  :

1. لحظة الولادة : يجب أن نقوم بالإجراءات التالية :

- الولادة في غرفة دافئة ( درجة حرارة غرفة الولادة يجب أن لا تقل عن 23 درجة مئوية للمولود الكامل ، ولا تقل عن 28 للمولود الخديج )

وهذه النقطة مع الأسف تتساهل بها الكثير من مستشفيات الولادة ، والمسؤولية هنا تقع على عاتق طبيبات النساء والتوليد ، وإذا حضر طبيب الأطفال الولادة فيجب أن لا يسمح بالولادة مالم يتحقق هذا الشرط .

- تنشيف المولود بشكل كامل بمنشفة جافة ، ودافئة ، ومعقّمة ، مع التأكيد على تنشيف الرأس .

- ثم لفّ المولود بمنشفة أخرى أيضاً جافة ، ودافئة ، ومعقّمة .

- وضع الطفل تحت مدفأة كهربائية على جهاز الإنعاش أثناء التعامل معه وهو عار .

- ثم نضعه بعد الفراغ من تنظيفه ولفّه في سرير دافيء .

- أو نعطيه لأمه لتضمه إلى صدرها وتدفئه من حنانها .

وهذه الإجراءات كلها من مسؤولية تمريض الأطفال ، وتتم بإشراف وتوجيه طبيب الأطفال الذي حضر الولادة ، أو القيصريّة …

من هنا فإنني أرى عدم السماح مطلقاً بحصول أية ولادة أو قيصرية ، ما لم تتم في مستشفى محترمة ، فيها كل الأدوات والوسائل الإنعاشية الحديثة ، المطلوبة لإنعاش المواليد الجدد ، الذين يتعرّضون لأية درجة من درجات الخطورة ، وتحت إشراف إستشاري أو أخصّائي أطفال ، لديه تدريب خاص وولع خاص بقسم المواليد والحاضنات ، وتحت إمرته تمريض باهر مدرّب تدريباً خاصّاً على رعاية المواليد الجدد .

2. بعد الولادة : لمنع حصول ضربات البرد للمواليد الجدد بعد أن تحصل الولاد يجب على تمريض الأطفال أن يقوم بما يلي :

* المولود الكامل :

- بعد الإجراءات السابقة المتّفق عليها لأي مولود ، نلبسه ملابسه .

- نضعه في سرير دافيء .

- في غرفة حرارتها دافئة لا تقل عن ( 23 درجة مئوية )

- ممنوع تيارات الهواء .

- نغطّيه ببطانيتان .

* أما المولود الخديج أو ناقص الوزن (وزنه أقل من  2  كغ  )

1- هذا يحتاج حضّانة ( Incubator)

2- فإذا لم تتوفر الحضّانة فنلجأ إلى ما يلي كبديل :

- تدفئة الغرفة لما لا يقل عن (   28  درجة مئوية )

- إغلاق الباب والشبابيك .

- تغطية المولود بشكل جيد بثلاث بطانيات .

- تغطية الرأس بقبّعة من صوف سميكة .

* العلاج :

- كل الإجراءات السابقة كانت لمنع حصول ضربة البرد لدى المولود الذي يُولد تحت إشرافنا ، وفي مستشفانا …

أما إذا جاءنا المولود للعيادة ، وقد ولد خارج مستشفانا ، و تعرّض لضربة البرد ، فنتّبع في تدبيره الإجراءات التالية.

1- وضع الطفل في حاضنة وتدفئته بسرعة (incubator ).

2.  إعطاء أوكسجين حتى يتم تدفئة المولود ويتحسن ويبدأ بالرضاعة ، ثم نوقفه  .

3. إعطاء محلول مغذّي ( Dextrose 10 % / 80 ml / kg / 24 hrs / IV ) ، بواسطة المضخّة الوريدية ( Infusion Pump )

4. التحرّي عن عدم وجود إنتانات في الدم (Neonatal Sepsis

لأن أعراض وعلامات ضربة البرد في المواليد الجدد لا تكاد تختلف عن أعراض وعلامات  الالتهابات في المواليد الجدد ، من هنا وجب الانتباه والتفريق بينهما .

مع تمنياتي بالصحّة الدائمة والنضارة المشرقة لجميع أطفالنا الحلوين

د . فواز القاسم

إستشاري طب الأطفال والرضّع والحاضنات

 


بسم الله الرحمن الرحيم

* التطعيمات : هي أهم خدمة قدّمتها الإنسانية للطفولة في تاريخها ، لأنها حمت الأطفال من الكثير من الأمراض القاتلة .

* وهي ( أي التطعيمات أو التلقيحات ) من أفضل وأنجح وأرخص الطرق لمنع المرض وحماية الطفولة ، وهي التي تنطبق عليها الحكمة العربية القائلة ( درهم وقاية ، خيرٌ من قنطار علاج ).

* وبسبب استخدام اللقاحات بشكل روتيني في جميع أنحاء العالم ، اعتباراً من النصف الثاني من القرن الماضي ، فإن أمراض الطفولة المعدية انخفضت بشكل مذهل ، وبعضها تمّ استئصاله بالكامل من الوجود ( مثل الجدريsmallpox  ).

وهناك جهود حثيثة لاستئصال شلل الأطفال ( polio)من العالم في المستقبل القريب إن شاء الله .

وبسبب التلقيحات فإن جرثومة مثل (haemophilus influenzae ) انخفضت في البلاد المتقدمة ، مثل أمريكا بنسبة تزيد على (90% ).

* وهناك إلتهابات كانت تحدث أثناء الحمل وتسمى (conjenital ) مثل : rubella syndrome في طريقها إلى الانقراض في الدول المتقدمة .

* وهناك أمراض مثل الكزاز ( tetanus) والحصبة ( measle) والدفتريا ( diphtheria) كذلك انخفضت بشكل هائل .

* يتلقى كل طفل من الولادة حتى بلوغه ثمانية عشر شهراً ما يزيد على عشرين لقاحاً ( تطعيم = Vaccin) ، ما عدا الجرعات الداعمة ( Boosters) التي يتلقاها بعد ذلك في طفولته .

* وهي بالتأكيد لا تخلوا من أعراض جانبيّة بالرغم من أهميتها العظيمة ، وعلى رأس هذه الأعراض الجانبية ( الحساسية =  Allergy) و ( الحرارة =  Fever) .

* ولذلك على كل أم أو أب أن يعرف كيف يتعامل مع طفله بعد التطعيم .

* وعلى كل طبيب أن يقدّم للوالدين بعض النصائح المهمّة عن التطعيم وما ينتج عنه من عوارض ، مع شرح مبسّط لكيفية التعامل معها .

* ونبدأ بالحساسية المفرطة ، والتي نسميها ( الصدمة التأقية )  Anaphylactic Shock

وهي حالة شديدة ونادرة من الحساسية  قد تهدد الحياة ، وتنتج عن حساسية الطفل المفرطة أحياناً لبعض المواد ، مثل : الأدوية ( وعلى رأسها البنسلين ) و اللقاحات ( التطعيمات ) ، ولدغ الحشرات ، وبعض الصبغات التي يستخدمها أطباء الأشعة في التصوير الملون ، وبعض الأطعمة .

أهم أعراضها وعلاماتها السريرية هي : حكة شديدة مع شري في الجلد Urticaria  ، ثم وذمة وتورم في الفم والرقبة Angioedema ، وضيق في التنفس Bronchospasm ، وهبوط شديد في الضغط إلى حد الإغماء وفقدان الوعي أحياناً  Hypotention

* والسرعة في تشخيص هذه الحالة وتدبيرها له أهمية فائقة ومنقذة لحياة الطفل ، والبداية حسب الأهمية ، والخطوات كما يلي :

1. تسليك مجرى التنفس وتنظيفه من أي شيء يعيق التنفس Airway .

2. إعطاء الأكسجين بنسبة 100% من خلال قناع الوجه Mask .

3. أخذ قصة سريرية سريعة جداً  لمعرفة سبب الحالة ، مع عدم إضاعة الوقت بالأسئلة التفصيلية .

4. فحص سريري سريع وشامل والتركيز على العلامات الحيوية Vital Signs وعلى رأسها التنفس والنبض والضغط ، ثم الانتباه لمظاهر الحساسية في الفم والرقبة ( تورم الفم والرقبة + صعوبة في التنفس وبحة في الصوت ) وفي الجلد ( شري أو شحوب أو تورد ) وفي الصدر ( صعوبة في التنفس )

5. حقن أدرينالين Adrenaline تركيز( 1/1000 ) في العضلة (    IM  ) : والجرعة حسب العمر :

طفل أكبر من 12 سنة : نعطيه نصف مل ( نصف سرنجة أنسولين ) في العضلة .

من 6 -  12 سنة : نعطيه ربع مل (  0.25 ml )( ربع سرنجة أنسولين )  في العضلة .

من 6 أشهر  -  6 سنوات : نعطيه (0.1 ml  ) ( شرطة أنسولين واحدة )   في العضلة .

أقل من ستة أشهر : نعطيه ( 0.05 ml  )( نصف شرطة أنسولين )  في العضلة .

* يمكن تكرار الجرعة بعد خمسة دقائق للحاجة ولمرّة واحدة  فقط .

* الأدرينالين الوريدي له شروطه ولا يعطيه إلا أخصائي الأطفال .

نأخذ 1 مل من أدرينالين السابق ، ونمددها ب ( 9 ) مل ماء مقطّر أو محلول ملحي ، فيكون المجموع ( 10 مل ) وتركيزه ( 1/ 10,000  ) ، من هذا المحلول نأخذ ( 1 مل = 0.1 ملغ ) ونحقنه بالوريد ببطء أو  ( o.1 ml / kg  ) .

6. حقن ألليرفين Allerfin  = Chlorpheneramine في العضلة أيضاً  ( IM )( أمبولة = 1 مل = 10 ملغ ) .

طفل أكبر من 12 سنة : نعطيه ( 10 – 20 ملغ ) ( 1 – 2 ) أمبولة عضلة .

من 6 – 12 سنة : نعطيه ( 5 – 10 ملغ ) (من نصف إلى  أمبولة ) عضلة .

من 1 – 6 سنوات : نعطيه (  2.5 – 5 ملغ ) ( من ربع إلى  نصف ) أمبولة عضلة .

7 . حقن هيدروكورتيزون Hydrocortisone   في العضلة أو الوريد(IM , IV )( فيال =  100 ملغ  ).

طفل أكبر من 12 سنة : نعطيه ( 100 – 500 ملغ ) =( 1 – 5 ) فيالات في العضلة أو في الوريد ببطء.

من 6 – 12 سنة : نعطيه ( 100 ملغ ) = ( 1 فيال ) في العضلة أو بالوريد ببطء .

من 1 – 6 سنوات : نعطيه (  50 ملغ ) = ( نصف فيال )  =             = .

8 . ثم نضع فراشة وريدية Canula إذا لم نكن قد وضعناها حتى الآن ، ونعطي فيها مغذي سريع نوعه محلول ملحي 0.9%) Normal Saline  )  أو  Ringer Lactate ، والكمية ( 20 مل / كغ ) من وزن الطفل وبأقصى سرعة ممكنة .

9 . ثم نستدعي أخصائي الأطفال لتقييم ومتابعة الحالة .

* وأما الحرارة المصاحبة للتطعيمات:  Post Vaccination Fever:

فهي شائعة جداً ، وخاصّة لدى استخدام التطعيمات في المؤسسات الحكومية ، وهي دليل قوة جهاز المناعة وفعاليته ( أي أنها دليل خير وعافية وليست شرّاً محضاً ) .

* وننصح بعد كل تطعيم بما يلي :

1. وضع منشفة نظيفة وباردة على مكان الحقن ، فهي تقلل الألم والورم .

2. إعطاء الطفل الكثير من السوائل بعد التطعيم ، فالسوائل تقلل من الحرارة .

3. إعطاء الطفل شراب أو قطرات خافضة للحرارة كإجراء وقائي بعد التطعيم ، كل 4-6 ساعات ، ولمدة 24 ساعة بجرعات يعرفها الطبيب .

4. وقد نستخدم لقاحاً معدّلاً في الجرعات اللاحقة إذا تطورت لدينا حمى عالية في تطعيم سابق ، كما نفعل مع تطعيم الثلاثي الجرثومي للأطفال (DTP or DTaP ) ، إذا سببت جرعته الأولى لطفل أذية دماغية في غضون أسبوع من تاريخ التطعيم  ( Encephalopathy within 7 days of previous dose ) …

وكذلك إذا حصلت حرارة ( أكثر من 40 درجة مئوية في غضون 24 ساعة من التطعيم هنا نعطي اللقاح المعدّل للأطفال الخالي من ( pertussis) والذي يسمى (DT ) .

إلا إذا كانت المنطقة موبوءة بالسعال الديكي ، وهنا تكون خطورة السعال الديكي على الطفل غير الملقّح أشد من خطورة الحرارة على الطفل الملقّح ، عندها نعطي اللقاح ، ونتوكل على الله ، ونتعامل مع الحرارة بما يناسبها من إجراءات ، كما ذكرنا أعلاه .

* وهناك عوارض موضعية بسيطة في مكان حقن التطعيم  :

مثل الألم ، والاحمرار ، والتورم …

وهذه عوارض بسيطة ، ومؤقتة ، حيث تزول غالباً بعد فترة قصيرة ، ويمكن التعامل معها بمنشفة نظيفة وباردة نضعها فوق مكان الحقن ، أو باستخدام بعض الكريمات المسكنة الموضعية …

مع تمنياتي بالصحّة الدائمة والنضارة المشرقة لأطفالنا الحلوين

د . فواز القاسم

إستشاري طب الأطفال والرضّع والحاضنات


بسم الله الرحمن الرحيم

* تعريف :

نقول بأن المولود الجديد لديه هبوط سكر الدم إذا كان :

* ( Fasting Blood Glucose < 2 mmol / L (< 35 mg/dL 

 أو

* ( Fasting Serum   =         < 2.5 mmol / L (< 45 mg / dL

* الأسباب :

1. نقص مخزون السكر في جسم المولود : كما في حالات :

- المولود الخديج : Premature

- المولود ناقص الوزن : LBW

- المولود المتأخر نموّه داخل الرحم :  IUGR

2. زيادة حاجة المولود للسكر :

- فرط التنفس : Hyperventilation

- الانتانات :  Infections

- هبوط الحرارة : Hypothermia

3. زيادة الأنسولين في دم المولود :

- الطفل الذي يولد لأم لديها سكر في الحمل :  Infant of Diabetic Mother 

* الصورة السريريّة :

* هبوط سكر المواليد يحصل غالباً في الساعات الأولى (6 ساعات ) بعيد الولادة .

* فإذا مرّت (24 ساعة ) ولم يحصل ، فنادراً ما يحصل بعد ذلك .

* لا عرضية : Asymptomatic

هنا المولود لا يشكو من أية أعراض أو علامات لهبوط السكر ، ونكتشف هبوط السكر بالتحليل الروتيني لكل مولود جديد .

* عرضيّة : Symptomatic

- خمول المولود :  Lethargy

- توقف التنفس : Apnea

- رفض الرضاعة : Reluctant to Feed

- تشنجات : Convulsions

وهي تقريباً نفس أعراض إلتهابات الدم لدى الأطفال Neonatal Sepsis

* الوقاية :

كل مولود جديد يكون لديه احتمال هبوط سكر الدم  ( لكونه يحمل عامل خطورة )

-        نفحص سكر دمه بعد الولادة مباشرة

-        إذا وجدناه منخفض نحاول إرضاعه بعيد الولادة مباشرة ( لا تتجاوز ساعة )

-        فإذا لم نتمكن فنعطي سكر وريدي ( Dextrose10%/ 60 ml / kg / 24 hr )

-        تدفئة المولود ومنع تعرّضه للبرد .

* العلاج :

أما إذا ظهرت الأعراض والعلامات فنعالجها بما يلي :

-        محلول سكر ( Dextrose10% / 100 ml / kg / 24 hr )

-        الرضاعة المبكّرة ، ولا نقطع المحلول السكري حتى تنتظم الرضاعة بشكل جيد .

-        إذا لم يرتفع السكر بالمحلول ويستقر ، فنلجأ إلى الأدوية :

-        هيدروكورتيزون (    Hydrocortisone 5 mg / kg / dose/ IV) أو

-        غلوكاجون (Glucagon 0.25 mg / kg / dose / IV ).

-   قياس مستوى السكر في دم المولود كل ساعة في البداية إلى أن يستقر فوق الطبيعي ، ثم كل ثلاث ساعات ، ولمدة أربع وعشرون ساعة .

* المضاعفات :

هبوط السكر العرضي قد يؤدي إلى تلف الدماغ بنسبة ( 30%) إذا لم يُشخّص ويُعالج بشكل جيد ، من هنا نحرص على إجراء تحاليل أساسية لكل مولود جديد ، وخاصة إذا كان يحمل واحد من عوامل الخطورة التي ذكرناها أعلاه  .

مع تمنياتي بالصحّة والنضارة للمواليد الحلوين

د . فواز القاسم

إستشاري طب الأطفال والرضّع والحاضنات

 


 بسم الله الرحمن الرحيم

عندما قرر حاخامات اليهود والصهيونية في العالم ، في مؤتمرهم الشهير ، في بازل بسويسرا ، في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي ، أن يجمعوا شتاتهم ، ويؤسسوا لهم دولة دينية في فلسطين ، كانت خطتهم ترتكز على مرحلتين اثنتين : المرحلة الأولى : ويتم فيها تكوين الدولة اليهودية في فلسطين ، ثم إحاطتها بمجموعة من الأنظمة العميلة لحمايتها مما قد يتهددها من الشعوب العربية والإسلامية المحيطة بها ، وذلك ريثما يمر الوقت الكافي ، الذي تتمكن فيه من بناء قوتها الذاتية  التي بواسطتها تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وعن عملائها أيضاً ، تماماً كما يحيط الفلاح فسيلته الغضة الطرية المزروعة توّاً ، بالسواتر والجدران ، وذلك ريثما يقوى عودها ، ويشتد ساعدها ، وتصير قادرة بنفسها أن تدفع عاديات الزمن عنها …

والمرحلة الثانية : البدء بالتوسع التدريجي لدولتها ، واحتلال المزيد من الأراضي المجاورة لها ، إلى أن تتمكن أخيراً من بسط أجنحتها على طول الشريط الخصيب ، الممتد من أفغانستان شرقاً إلى فلسطين غرباً ..

ولقد استغرق تنفيذ المرحلة الأولى لهذه الخطة الخبيثة قرناً كاملاً ، وهو القرن العشرين الميلادي بكامله ، وها هي تباشير المرحلة الثانية توضع موضع التطبيق الفعلي مع إطلالات القرن الحادي والعشرين ، وذلك باحتلالهم لأفغانستان المسلمة ، ومن بعدها العراق الحبيب … !!!

ولما كان الوطن العربي والإسلامي في معظمه خاضعاً لقوى الاحتلال الصليبي الغربي لحظة قيام الكيان الصهيوني ، إذاً ، فإمكانية الحفاظ على هذه الدولة لحظة ولادتها ، وحمايتها من ثورة الشعوب العربية والإسلامية المحيطة بها ، كانت مضمونة من قوات المحتلين أنفسهم …

فلما اضطرت تلك القوات الصليبية الغازية للخروج من المنطقة العربية والإسلامية ، تحت ضغط تلك الشعوب الثائرة ، والتي فجرت عشرات الثورات ، وسيرت مثلها من المظاهرات ، ودفعت على طريق استقلالها وتحررها أنهاراً من الدماء … هنا كان لا بد من وضع خطة جديدة ، والإجابة على سؤال مهم : من يقوم مقام القوات المستعمرة في حماية الكيان الصهيوني ، في حال انسحبت تلك القوات إلى بلادها ، ونالت الشعوب العربية والإسلامية حريتها واستقلالها ..!!؟

ولكي يطمئن أساطين الصهيونية والماسونية والصليبية على كيانهم المدلل ، كان لابد من إحاطته بجدار من الأنظمة العميلة لهم ، والمرتبطة بهم ، ليؤدوا بالوكالة ، ما كانت القوات الصليبية المحتلة تقوم به بالأصالة .

ولقد مارست تلك الأنظمة العميلة منذ تسلّمها الحكم بُعيد الاستقلال وحتى الآن ضد الشعوب العربية من الجرائم والفظائع والآثام ، ما يهتزُّ له عرش الله …!!!

ومارست ضدّها من القهر ، والظلم ، والقمع ، والإذلال ، والتجويع ، والتركيع ، والتجهيل، والتضليل ما لا طاقة لبشر على احتماله … !!!

فلقد حاربت دين الأمة ، وأفسدت أخلاقها ، ودمّرت التعليم والصحّة والتنمية والإعلام فيها ، وخرّبت الاقتصاد ، وسرقت الأموال ، ونشرت ثقافات الرذائل والرشاوى والمحسوبيات ، ومارست كل أشكال العهر المادي والمعنوي بحق الأمة وشعوبها …!!

تمّ ذلك كلّه من خلال خطط خبيثة مدروسة ، سهرت على تنفيذها عشرات الأجهزة الأمنية والإعلامية المافياويّة المدرّبة على أيدي أعتى أجهزة الحقد والإجرام في العالم.

كلّ ذلك ، والشعوب العربية صابرة محتسبة ، تخشى الله ، وتخاف الفتنة ، وتتجرع المرارة والألم ، وتصبر على الضيم ، وتموت في اليوم الواحد ألف موتة وموتة، ويرتفع في أعماقها مخزون الغضب شيئاً فشيئاً كلما مرّ الوقت ، وطال ليل الظلم، فتلجمه بلجام العقل والصبر والحكمة

وفي نفس الوقت ، كان يرتفع في عقولها أيضاً مخزون الوعي والإدراك والرغبة في التضحية والثورة ، شيئاً فشيئاً ، وبشكل موازٍ لحجم المأساة التي تمرُّ بها الأمة ، ولحجم الجريمة التي ترتكبها طغمة الحكام بحقّها وحقّ أبنائها …

ومع مرور السنوات والعقود ، كان يتعمّق الجرح أكثر فأكثر ، وتكبر المأساة ، ويتراكم الغيظ ، ويزداد الوعي ، وينفد الصبر ، وتطيب الشهادة …!!!

حتى نادى منادي الأمة أخيراً : لقد طفح كيل الظالمين ، وطال ليل المحنة ، ونفد الصبر ، وجاوز الظالمون المدى ، ولم يعد في قوس الصبر منزع ، فوجبت التضحية ، وحقّ الفدا … !!!

وفي ساعة مباركة من يوم الجمعة ، التي تتفتح فيها أبواب السماء ، وتُستجاب فيها دعوات المظلومين ( الساعة الخامسة مساءً من يوم الجمعة المصادف للرابع عشر من كانون الثاني يناير لسنة 2011 ميلادي ) زحفت الجماهير التونسية الثائرة لتحاصر وزارة الداخلية التونسية ، وزارة القهر والظلم والإذلال ، ومن بعدها القصر الجمهوري ، فهرب الطاغية بطائرته المسروقة من أموال الشعب ، هائماً على وجهه في الآفاق ، فلم يجد من يؤويه ويستقبله ، ليكون عبرة لكل ظالم أفّاق … وفي نفس الساعة المباركة ، الخامسة مساءً ، من نفس اليوم ، الجمعة المباركة ، الموافق للحادي عشر من شباط ( فبراير ) ، أي بعد شهر تقريباً من هروب ابن علي ، وفي نفس اليوم الذي اغتال فيه الإنكليز وعملاؤهم رجل مصر الصالح( حسن عبد الرحمن البنا ) قبل اثنتين وستين سنة ، كانت طائرة حسني مبارك تقلع من القصر الجمهوري إلى غير رجعة ، على وقع هدير عشرات الآلاف ، بل الملايين من الجماهير المصريّة الثائرة ، الزاحفة من جميع المحافظات المصرية وقصباتها …!!!

وبهروب طاغية تونس ، ومن بعده طاغية مصر وفرعونها ، في أقل من شهر ، تكون الأمة من المحيط إلى المحيط ، قد وضعت أقدامها على أعتاب مرحلة جديدة وعهد مشرق وضّاء ، عنوانه : الحريّة والكرامة والعزّة ، بدلاً من : الذلّ والقهر والعبودية . !!!

وإننا لعلى ثقة مطلقة بأن قافلة الحريّة قد انطلقت في الأمة ، وأن موكب التحرير فيها قد أقلع ، وعبثاً يحاول الجلادون تعطيل مسيرته ، أو إعاقته بإطلاق شراذم العبيد عليه ولن تفلح سياط الجلادين ( والبلطجية ) في النيل من كبرياء الأحرار وعزّتهم وشموخهم حتى لو مزًّقت جلودهم …!!!

ولن يرتدًّ _ بعون الله _ موكب الحرية بعدما حطم السدود ، وأزال الحدود ، ورفع الصخور ، ولم تبق أمامه إلا حفنة من الأشواك …!!!

إنما هي جولة بعد جولة ، والنصر مع الصبر ، والعاقبة للمتقين

نعم … قد تؤخر شراذم الرقيق ، موكب الحرية لبعض الوقت ، وقد تسبب له لكماتهم الخسيسة والجبانة بعض الجروح ، وقد تسيل منه بعض الدماء ، وقد يسقط له بعض الشهداء .!!!

ولكن القافلة تسير ، غير عابئة بنباح الكلاب ، وسيصل الموكب المبارك _ بإذن الله _ إلى برِّ العافية ، وشاطئ الأمان … (( والله غالبٌ على أمره ، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون )) صدق الله العظيم .

الدكتور: فواز القاسم / سورية 11 ربيع الأول / 1432 هجري


قال تعالى في كتابه العظيم : بسم الله الرحمن الرحيم

(( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم ، حتى يغيّروا ما بأنفسهم )) صدق الله العظيم

لقد ذكرنا في مقالة سابقة أنّ من يقرأ القرآن العظيم ، ويرزقه الله نعمة التذوّق والفهم لآياته ، يجد نوعين من السنن الربّانية التي تحكم هذا الكون …

فهناك : السنن و النواميس الكونية : وهي التي تنظم عمل الجزء الأبكم من الكون ، كالأرض والشمس والنجوم والكواكب وغيرها …

وهناك : السنن و النواميس الشرعية : وهي التي تنظم حياة الإنسان في هذا الكون من حيث إيمانه وعلاقته بربه ، أو علاقته مع بني جنسه ، أو مع المخلوقات الأخرى في هذا الكون من حوله ، وهكذا …

ولو رحنا نتأمل هذه السنن أو النواميس أو القوانين الشرعية التي تنظم علاقات الإنسان في هذا الكون ، لوجدناها لا تقل أهمية وصرامة عن السنن والنواميس والقوانين الكونية

فكما أن حركة الشمس والأرض والنجوم والكواكب ، ومن ورائها تقلّب الفصول ، وتعاقب الليل والنهار ، وجريان الرياح ، ونزول الأمطار ، وتناول الغذاء ، وشرب الماء ، وتنفس الهواء ، وغيرها ، تخضع لقوانين صارمة لا تتخلف

فكذلك حركة الإنسان على ظهر هذا الكوكب ، وعلاقاته الحضرية والاجتماعية تخضع لقوانين مماثلة ، في وحدة قانون رائعة ، تدلّ على وحدة الخالق الأكيدة …

ومن هذه القوانين التي لا تتخلف ، قوانين : بناء الأمم وانهيارها .. وقوانين : صعود الدول وسقوطها … وقوانين : وحدة الشعوب وتشرذمها … وقوانين : الإصلاح والتغيير في الأمة التي بدأت اليوم  تباشيرها  ، وعشرات القوانين غيرها …

فالأمة ، أية أمة ، لكي تنهض لا بد لها من شروط محددة وقوانين ثابتة لا تتخلّف …

والأمة ، أية أمة ، لكي تحافظ على نهضتها لا بد لها من التقيّد الصارم بهذه الشروط والقوانين …

وعلى كل من ينشد الإصلاح والتغيير في هذه الأمة أن يقرأ التاريخ جيداً ، ويفهمه بعمق ، ويلتزم بقوانينه ونواميسه ، التي تحكم الأحداث والظواهر التاريخية وتوجّهها  لأن أي خروج على هذه القوانين ، هو كالخروج على قوانين أكل الطعام وشرب الماء وتنفس الهواء …

والذين يتقنون ( فقه ) هذه القوانين وتطبيقها ، هم الذين يستحقون الحياة من وجهة نظر التاريخ ..

وهذا يعني : بأن الأمة التي يتولى زمام أمورها ( فقهاء ) بحيث يفقهون قوانين بناء الأمم وانهيارها ، وصعود الدول وسقوطها ، ووحدة الشعوب وتشرذمها ، وإصلاح المجتمعات وإفسادها ، وعشرات القوانين غيرها …

ثم _ وهذا هو الأهم _  يحسنون تطبيق هذه القوانين واستثمارها ، فإنهم يقودون أممهم إلى النهوض والتقدم لا محالة….

أما الأمة التي يتولى زمام أمورها ( خطباء أغبياء ) يحسنون مجرّد التلاعب بالألفاظ لإلهاب المشاعر والعواطف فحسب ، فإنها تظل تتلهى بالأماني التي يحركها أولئك الخطباء ، حتى إذا جابهت التحديات الحقيقية فإنهم لا ( يفقهون ) ما يصنعون ، وآل أمرهم إلى التخبط والفشل الذريع ، وأحلوا أقوامهم وأوطانهم دار البوار …!!!

ولو تتبعنا تاريخ الإسلام الحقيقي ، الذي تمثل واقعا في سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم ، لوجدنا هذه الحقائق قد تجلت في أبهى صورها …

فلقد تغلب ( فقه ) الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، على ( خطابة ) أبي جهل وأعوانه من المشركين في ملحمة بدر الخالدة ، وانتهى كل منهما بجماعته إلى المصير الذي يعرفه التاريخ…

وحين حلل القرآن الكريم نتائج تلك المنازلة الفاصلة بينهما ، ذكر أن كل واحد من المؤمنين ( أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ) يعادل عشرة من المشركين ( أتباع أبي جهل ) ، وذكر العلة : (( بأنهم قومٌ لا يفقهون )) الأنفال ( 65) وهو يعني المشركين .

أي لا يفقهون قوانين : تكوين الأمم والجماعات ، ولا قوانين : تعبئة المقدرات ، ولا قوانين : بناء الحضارات ، ولا قوانين : صناعة الحياة ، ولا قوانين : النصر أو الهزيمة …إلخ من القوانين !!!

وإن مما تتفتت الأكباد أسفاً له ، أن ( يفقه ) الأعداء هذه القوانين في عصرنا الراهن ، فيطبقوها ، ويحصلون على نتائجها ، قوة وتمكينا وانتصاراً ، بينما تغفل أمتنا عنها ، وتكون النتيجة كالذي نرى من الذل والهوان والانكسار …!

فلقد طبق الكيان الصهيوني في مواجهته مع العرب والمسلمين منذ عام ( 1967 ) وحتى هذه اللحظة جانباً من ستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأوجد لشعبه مثلاً أعلى يضحي من أجله ، ثم وحّد صفوفه ، وأحسن إعداده ، وأتقن الانتفاع بمقدّراته ، وأحسن الإستفادة من جغرافية المواجهة ، وقوانين التعبئة ، وعشرات ( القوانين ) غيرها …

بينما طبق العرب في المقابل ( ارتجالية ) أبي جهل ، وخطبه الرنّانة ، التي قالوا فيها :( والله لا نرجع ، حتى نرد تل أبيب ، فنقيم فيها ثلاثاً ، نذبح الجزور ، ونشرب الخمر  وتعزف علينا القيان ، وتغنينا أم كلثوم ، ونقذف إسرائيل في البحر …!!! )

والتقى الجمعان ، وكانت النتيجة كما نعرفها جميعاً … انتصار ( الفقه ) و ( فهم القوانين ) و ( تطبيق السنن ) على ( الغباء )  و ( الخطابة )  و ( الغوغائية )…!!!

* نعود إلى الآية الكريمة التي تشترط لحصول التغيير في واقع الأمة ، تغييراً في وعيها وفهمها وأخلاقها … وهذا المعنى نفسه أشار إليه أحد الفلاسفة الأمريكيين ، فقال : “يحسب الناس أن الثورة تأتي بالتغيير، لكن العكس هو الصحيح ، فالتغيير هو الذي يأتي بالثورة : أي أن  تغيير النفوس ، والثقافة ، والسياسية ، والمعايير الأخلاقية ، هو الذي يأتي بالثورة التي تعطي الحريّة والعدل والمساواة  ).

* وأنا أرى أنه قد حدث تغيير هائل على مستوى الأمة ، ألخّصه في النقاط الهامّة التالية :

* تغيّر الوعي والفهم الجمعي في الأمة :

* إن الوعي والفهم من أهم عوامل التغيير ، حتى أن فقهاء الأمة قدموه على العمل  ، ولقد كان الوعي في الأمة سابقاً مقصوراً على النخب وأهل الثقافة والاطلاع فقط ، وعلى رأسهم أبناء الحركات الإسلامية ، الذين كانوا يعيشون همَّ الدين والدعوة ، والهمَّ العام للأمة .

مصداقاً لنبوءة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، الذي خاطب أصحابه يوماً فقال: (( إنكم اليوم على بيّنة من الأمر ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله ، ثم تظهر فيكم سكرتان : سكرة العيش ، وسكرة الجهل ، ثم تظهر فيكم سكرة حبّ الدنيا ..فإذا كنتم كذلك : لم تأمروا بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر ، ولم تجاهدوا في سبيل الله ، القائمون يومئذ بالكتاب والسنّة في السرّ والعلن ، كالسابقين الأولين )) .

ثم جاءت الثورة الإعلامية والمعلوماتية والتقنية فنقلت الوعي الجمعي للأمة وخاصة جيل الشباب إلى مستويات تقدّمت فيها حتى على النخب المثقفة نفسها (الثورات الالكترونية ).

ومن الإنصاف أن أقول : بأن قناة الجزيرة وحدها ، كانت قد نقلت الوعي العام الجمعي للأمة قرناً كاملاً إلى الأمام ، ومن لا يشكر الناس ، لا يشكر الله  .

* الشجاعة والبطولة والتضحية الجمعيّة في الأمة :

البطولة هي عملة نادرة بين البشر، ولقد صدق الرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيغوفيتش إذ كتب في كتابه “هروبي إلى الحرية” يقول ” لم يُغنِّ الشعب البوسني للذكاء، وإنما غنَّى للشجاعة… لأنها الأكثر ندرة .

وكذلك فقد كانت البطولة والشجاعة والتضحية مقتصرة على أصحاب العقائد والمباديء ، وعلى رأسهم الإسلاميين ( لقد كان الإسلاميون  وما زالوا  عبر التاريخ هم أكثر الناس شجاعة وتضحية ، ولقد سطروا في القرن الماضي وحده قصصاً نادرة في البطولة والاستشهاد ، سواء في حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار في منتصف القرن الماضي ، أو في فلسطين  منذ بداية الاحتلال وحتى الآن ، ثم في العراق وأفغانستان ، وصولاً إلى حركات التحرر المشتعلة الآن  ضد الظلم والاستبداد الداخلي ).

ثم  تحولت الشجاعة والبطولة والقدرة على التضحية إلى ظاهرة عامة ، وثقافة  جمعية في الأمة ، حتى صرنا نرى طوابير الإستشهاديين في العراق وفلسطين وأفغانستان من أجل عقائدهم وأوطانهم ، ثم رأينا الشعب كله والأمة كلها تنزل إلى الشوارع في تونس ومصر واليمن والأردن وغيرها من البلاد العربية ، وهي مستعدّة للتضحية  حدّ الشهادة ، من أجل عقيدتها وأوطانها ، بل من أجل حقوقها وكرامتها ، وهذه كذلك نقلة هائلة في الأمة على طريق التغيير …!!!

* العمل الجمعي ( الهمّ العام في الأمة ) :

كانت النخب الإسلامية كما ذكرنا هي وحدها في ميدان الصراع مع  مجاميع الأمن في بلدانها ، فكان لها الشرف في  البطولات ومقارعة الظلم يوم كانت جماهير الشعب تنظر من بعيد إلى الصراع الدائر وكأنه لا يعنيها ، ولقد كان أولئك الشرفاء والأحرار والعظماء الذين لم تُغير خاماتِهم الأصيلة والمعطاءة انتهاكاتُ الأشرار لحقوقهم ، وعبثُ سماسرةِ الأوطان بمصائرهم ، هم من جسدوا أحلام التغيير.

إنهم المقاومون من فلسطين إلى العراق ولبنان ومصر وتونس والجزائر واليمن وغيرها من البلدان العربية ، الذين تصدوا بعقولهم وصدورهم لتزوير الواقع المعاش، ولطغيان الظلم والغباء ، ولكل الذين تاجروا بكرامتهم ، وزيفوا التاريخ والحقائق، مظهرين الهزائم على أنها إنجازات ، والخيانات على أنها انتصارات ..

وبعطائهم ودمائهم راكموا للتحولات الإيجابية في حياة شعوبهم في معارك مقاومة الظلم وانتزاع حق تقرير المصير.

هذه النخب الإسلامية ومعها مجموعة من النخب السياسية والنقابية والحقوقية والثقافية هي التي خطت الطريق ، واختلطت اليوم بشباب الانترنيت ..

ونزل الجميع  إلى أرض الميدان ، لينتفضوا لكرامتهم ، ويقولوا كفى للظلم واستباحة الكرامات ، مشرعين صدورهم للرصاص الحي ، ومستعدّين جميعاً  لدفع ضريبة الحريّة والكرامة مهما غلا ثمنها ، حتى لو وصلت حدّ الشهادة ، وهذه نقلة أخرى هائلة في الأمة على طريق التغيير ..!!!

ومما لا شك فيه أن مشاركة الجميع في الثورة  السلمية للتغيير ، هو أكبر ضمان لنجاحها ، وقلة تكلفتها ، ونضج ثمرتها ، وعدم سرقتها أو انحرافها .

* هذا التحوّل الجمعي الهائل على مستوى الأمة هو الذي غيّر موازين القوى (وهو المقصود في قوله تعالى : إنّ الله لا يغيّر ما بقوم : من ظلم وجور وفقر وقهر وتعسّف ، حتى يغيّروا ما بأنفسهم : من خوف وجبن وجهل وحب للدنيا والتي سماها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم سكرات العيش والجهل وحبّ الدنيا ).

* وهذه التي ذكرناها هي بالضبط أركان نجاح الثورات كما رآها المفكر السوري العظيم عبد الرحمن الكواكبي ، الذي لخّص عوامل نجاح الثورات أو ( قواعد رفع الاستبداد ) كما سماها في ثلاثة أمور:

أولها- عموم الإحساس بالقهر والغبن لدى عامة الشعب، “فالأمة التي لا يشعر كلها أو أغلبها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية” حسب تعبيره ، وهذا يطابق ما أسميناه بالفهم العام أو الوعي الجمعي للأمة .

ثانيها- الالتزام بمنهج النضال المدني في مقارعة المستبدين ( وهذا الذي أسميناه بالعمل الجمعي للأمة أيضاً  )، “فالاستبداد لا يقاوم بالشدة، وإنما يُقاوَم باللين والتدرج“. وكم يتمنى المستبدون لو تحولت الثورات إلى عنف أهوج، من أجل نزع الشرعية عن غاياتها النبيلة (ولذلك يستميت اليوم أعوان الطغاة والمستفيدون منهم في إدخال عنصر العنف والبلطجية لتشويه الثورة  )،  بينما يحرص المثقفون الواعون في الأمة على الطابع السلمي الحضاري للتغيير

( حتى الآن لم يقتل شرطي واحد أو رجل أمن واحد في كل من تونس ومصر ، بل جميع الضحايا هم من الشعب الأعزل المثقف الواعي ).

 ثالثها- إعداد البديل السياسي ( المنبثق من الحرية والعدل والمساواة والشورى )، والتوافق على قواعد لتداول السلطة قبل البدء بالثورة، إذ “يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يُستبدَل به الاستبداد” وهذا الذي نسميه اليوم بعملية :

* قطف ثمار الثورة ، والوصول إلى نهاياتها  (تعاون الشعب مع نخبه الواعية والمثقفة لقطف ثمار الثورة ):

ولقد كتب الفقيه السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل منذ 150 عاما (  إن الثورة مثل الرواية، أهم وأصعب ما فيها هو نهايتها ).

ولن تقبل شعوبنا بعد اليوم ترقيعا للثورة ، أو التفافا عليها ، أو أن ترضى بما دون تفكيك بنية الاستبداد  ومنظوماته كلّها …

 * وهذه أهم المطالب التي حرص عليها مفجّرو الثورة في كل من تونس  ومصر لضمان عدم سرقة الثورة :

* وضع الرموز السياسية والأمنية وأفراد العائلة الحاكمة ومن نهب وانتهك حقوق الشعب تحت الإقامة الجبرية لإحالتهم للمحاكمة واسترداد الحقوق والتعويض على الممتلكات.

* كذلك حل الحكومة والمجلس النيابي والحزب الحاكم، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني في سبيل إعادة الانتخابات النيابية، بعد تعديل الدستور ، وتغيير بعض القوانين بما فيها قانون الإرهاب.

* أيضاً رفع حالة الطوارئ و تطبيق العفو التشريعي العام و الإفراج عن المعتقلين السياسيين و ضمان حرية التعبير والرأي والتنظيم وتكوين الأحزاب والجمعيات.

* وإلغاء القيود على الصحافة ووسائل الإعلام والمطبوعات .

* واحترام التعددية دون تمييز بين الفئات الاجتماعية.

* والمحاسبة على هدر المال العام وتلقي الرشاوى.

* وإصلاح المؤسسات التربوية والقضائية والأجهزة الأمنية .

* والقضاء على البطالة وإيجاد فرص عمل للشباب مع تحديد حد أدنى مناسب للأجور

* وتوفير شروط العودة الكريمة للذين هجّروا عن أوطانهم قسراً ،  ليساهموا في بنائه وتطويره .

وهي فعلاً الأهداف النهائية للثورة الناجحة ، والتي يجب أن تتضافر جهود الأمة التي فجّرت الثورة بجميع مكوّناتها للوصول إليها وترسيخها والمحافظة عليها وعولمتها…

الدكتور فواز القاسم / سورية


بسم الله الرحمن الرحيم 

إن العمل الجماعي ، سواء أكان في ميادين السياسة ، أو الاقتصاد ، أو الاجتماع ، أو غيرها من المجالات : هو من أهم ضمانات النجاح والتفوق في الأمة ، ولقد حثَّ المنهج القرآني ، على أسلوب العمل الجماعي ، واعتبر أن  يد الله مع الجماعة فقال تعالى : (( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنهم بنيان مرصوص )) . 

ومن يدرس السيرة المطهرة يجد كيف أكد القرآن والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على ضرورة الهجرة والالتحاق بالتجمع المؤمن ، لكل من يدين بالولاء لهذا الدين ، واعتبر ذلك من لوازم الإيمان الحق .

بينما عاب على من يكتفون بالإيمان السلبي ، دون حركة عمل جمعيّة موحّدة ، وذكر العلة في ذلك ، كون المشركين وأهل الباطل أنفسهم ، لا يمارسون باطلهم بشكل فردي  ، بل بصورة جماعيّة  (( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، والذين آووا ونصروا ، أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ، ولم يهاجروا ، ما لكم من ولايتهم من شيء ، حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في الدين ، فعليكم النصر ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ، والله بما تعملون بصير ، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ، وفسادٌ كبير)) الأنفال (73) .

أي إن لم يوالِ بعضكم بعضاً ، ويقوِّ بعضكم بعضاً ، فسوف يقوم الكفارُ  والمشركون  الذين يتصفون بكل تلك الصفات ،  بفتنة المسلمين ، وإفساد الأرض .

وإنني أعتقد أن أروع صيغ العمل الجماعي في الأمة ، عندما تتعاون ( المدارس الفكرية ) مع ( المؤسسات التنفيذية ) ، أي تعاون السلطتين (الفكرية والروحية والتشريعية) مع (التنفيذية والتطبيقية) .

وأعني بالمدرسة الفكرية ، تلك المؤسسة المغيّبة اليوم عن ساحة التأثير في الأمة ، والتي أسأل الله لها الولادة في أسرع وقت ممكن ، والتي أقترح لها أن تجمع نخبة من ( العباقرة ، والأذكياء ، وأولي الألباب ) في الأمة ، من الذين لا تقلُّ معدلاتهم في الثانويّة العامة ، عن (95%) ، ثم يجري إعدادهم إعداداً فائقاً ، يؤهِّلهم لتسلّم مهمات القيادة الفكرية ، وإفراز  (الحكمة النظريّة ) ، وابتكار الستراتيجيّات اللازمة في جميع ميادين الحياة ، والسهر على تطويرها ، حسب متطلّبات الزمان والمكان .

أما المؤسسات التطبيقية ، فتكون مهمة كل منها ، إفراز ( الحكمة العمليّة ) ، أي تنفيذ الجزء المتعلق بميدانها ، من الستراتيجيات والبرامج والخطط التي تفرزها المدرسة الفكرية ، في كافة الميادين :  التربوية ، والعسكرية ، والسياسية ، والزراعية ، والتجارية ، والصناعية ، والعلمية ، وغيرها …

والعلاقة بين ( المدرسة الفكريّة ) و ( المؤسسات التنفيذية ) ، تشبه تماماً العلاقة القائمة بين القلب والدماغ من ناحية ، وبين الأطراف والأعضاء الخارجية ، من ناحية أخرى .

ففي حين يقوم الدماغ بالتفكير والتخطيط والتقويم ، ويقوم القلب بضخ الدم والغذاء اللازم لبعث القوة ، وإشاعة الحياة ، وتفجير النشاط ، في جميع أجزاء الجسد ومكوناته وأنسجته وخلاياه .

فإن الأطراف والأعضاء الخارجية تقوم بمهمة التنفيذ وتحويل الصور الذهنية ، والمشاعر القلبية ، إلى حركات وأفعال وممارسات حركية  .

وكما يتخذ كل من القلب والدماغ مكانهما في أمنع التجاويف الداخلية وأحصنها من الجسم ، خوفاً عليهما من أن يصيبهما شيء من الصدمات أو الأضرار ، فيمنعهما من أداء دورهما كما ينبغي .

فكذلك ( المدرسة الفكرية ) يجب أن تأخذ مكانها في أمنع مواقع الأمة وأحصنها ، بعيداً عن مواقع الكبت ، والملاحقة ، والأذى ، والاعتقال . وبعيداً عن مواقع الصراع ، والتنافس ، والتناقض .

والقرآن الكريم ، يوجه لهذه العلاقة بين المؤسستين في قوله تعالى : (( فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون )) التوبة (122)

وبغض النظر عن الخلاف الذي حصل في المقصود من الفئة المتفقِّهة ، هل هي الفئة الجالسة للتخصص ، أم هي المتحركة بحركة الدين ، والمجاهدة في سبيل العقيدة ، فإن النتيجة هي إفراز وتعاون الطائفتين أو المدرستين :

1. المدرسة الفكرية : ومهمتها (إنذار) الأمة وتبصيرها (( ولينذروا قومهم )).

2. والمدرسة التنفيذية : وهي التي تتولى إجراءات (الحذر) والتنفيذ (( لعلهم يحذرون )) .

وحين تغفل الأمة عن العناية بالمدرسة الفكرية فيها ، ولا تتوفر الأجواء والوسائل اللازمة لقيامها بعملية المراقبة والهيمنة على المؤسسات التنفيذية ، فإن واحدة أو أكثر من المضاعفات التالية ستحصل لا محالة :

1. ضياع المؤسسات التنفيذية ، وهيامها على وجهها دون إرشاد أو توجيه ، وخضوعها بدلاً من ذلك لنزوات الأفراد والأهواء ، أو تقليدها الأعمى لمؤسسات قائمة في مجتمعات أخرى ، تختلف في عقائدها ، وحاجاتها ، وشواغلها ، وظروفها ، وأولوياتها .

2. غربة العباقرة والموهوبين وأولي الألباب ، الذين لا يجدون في بلدانهم ، مدرسة فكرية ، تضمهم ، وترعاهم ، وتفجر طاقاتهم وإبداعاتهم ، فإذا ما أحسّوا بالغربة والوحشة والفراغ الفكري ، فإما أن يهاجروا إلى مجتمعات أخرى يزدهر فيها الفكر والإبداع  ، أو يلجؤوا إلى التعبير عن ذاتهم بتجميع الأتباع ، وتكوين الأحزاب ، وإنشاء الجماعات ، وبالتالي دفع الأمة إلى المزيد من التشرذم والتشظي .!

ومن يرزقه الله نعمة النظر في السيرة المطهّرة ، يجد كيف وصل مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى أعلى آفاق العزّة والمجد ، عندما تطابقت المؤسستان ( الفكرية ) و ( التنفيذية ) ، في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي أشخاص خلفائه الراشدين من بعده ، فلما افترقتا فيما بعد ، نزلت بالأمة ما لا يخفى من المصائب والنكسات ، والتي لم تبرأ منها ، إلا بعد أن عادتا إلى الوحدة من جديد ، وذلك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ، حيث تعاونت وتكاملت المدرستان الرائدتان ( المدرسة الفكريّة ) بقيادة العالِمين المجدِّدين ، أبي حامد الغزالي ، وعبد القادر الكيلاني ، رحمة الله عليهما ، و ( المؤسسة التنفيذية ) ، بقيادة آل زنكي ، وصلاح الدين الأيوبي  ، رحمة الله عليهم أجمعين .

ولقد كانت جميع الهزائم والكوارث التي نزلت بالأمة في العصر الحديث _ فيما نرى _ نتيجة لازمة لغياب (المدرسة الفكرية ) ، الذي تمثل في جمود الأزهر وأمثاله من المؤسسات العلمية والفكرية في العالم العربي والإسلامي ، وتخبط المؤسسات التنفيذية ، المعرّاة من أبسط قوانين الأمانة والقوّة والترشيد …!!!

ولذلك فإن أولى فقرات العلاج الصحيح للواقع الذي تحياه الأمة اليوم ، يجب أن يقوم على إيجاد ( علماء ) و ( فقهاء ) في الأمة ، من العباقرة والأذكياء وأولي الألباب ، ممن لا تقل معدلاتهم في الثانوية العامة ، كما ذكرنا ، عن (95%) . ليتسلَّموا القيادة الفكرية من أولئك الأغبياء والخطباء ، الذين حصّلوا في الثانوية العامة ( 49+1) ، ونجحوا منها بقرار ، ثم ساقتهم الظروف المغلوطة ، في غفلة من الزمن ، إلى مواقع القيادة والريادة والقدوة في العمل العام ، وهم لا يستأهلون أكثر من مدرِّسي ابتدائي ، ومعلِّمي أطفال .!!!

فتعاملوا مع الأمة ، وقضاياها المصيرية ، بنفس عقلية التلاميذ الذين يدرِّسونهم …!! 

وبناءً على ذلك ، فقد بددوا الجهود ، وأضاعوا الأعمار،  وبذّروا الأموال ، وأخفقوا في تحقيق الكثير من  أهداف الإسلام ، ثم أقنعوا الآخرين بعدم المبادرة إلى محاسبتهم  ..

لأن عليهم العمل –حسب زعمهم –وليسوا مسؤولين عن النتائج .!!!

وهكذا فقد رفعوا شعار ( العمل من دون طلب النتائج ).! 

فكانوا ، والحالة هذه ، يقودون الأمة من فشل إلى فشل ، ويدفعونها من مأساة إلى مأساة ، مع عدم وجود آلية لمساءلتهم ، وعدم وجود من يتجرأ على محاسبتهم .!

وفي المقابل ، نجد سر قوة ونجاح الأعداء ، يكمن في تكامل وتعاون  (المؤسسات الفكرية) مع (المؤسسات التنفيذية) ، واعتماد رجال التنفيذ في المؤسسات السياسية والإدارية وغيرها من المؤسسات التنفيذية ، على ما يقدمه لهم رجال الفكر ، من أصحاب العقول النيّرة ، والذين تتفجر طاقاتهم المبدعة ، في أرقى المراكز البحثية ، والأكاديميات العلمية ، المتخصصة في جميع مجالات الحياة وفروعها .

ففي بلد كالولايات الأمريكية المتحدة ، مثلاً ، هناك حوالي تسعة آلاف من مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في جميع مجالات الحياة ، العسكرية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والتربوية ، وشؤون الدول ، وشؤون الأقليات ، والمعارضات ، والأحزاب ، والجماعات ، وغيرها …

وفي كل مركز من هذه المراكز ، هناك مئات الباحثين والمتخصصين ، من الأذكياء والعباقرة ، وأولي الألباب ، من الذين كانوا أوائل صفوفهم ، منذ الدراسة الابتدائية ، وحتى أعلى المراحل الجامعية .

وفي الكيان الصهيوني ، هنالك تعاون وتكامل بين المؤسسات الفكرية والبحثية ، وبين المؤسسات التنفيذية  بشكل محكم كذلك .

فلقد ذهب مرَّة البروفسور جبرائيل بيير ، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة العبرية ، إلى مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون ، ليحاضر في موضوع ( الأوقاف في الإسلام ) ، فتحدث لمدة عشر دقائق فقط ، قال خلالها ما ملخصه : إن الوقف في الإسلام ، أنواع : فهناك وقف ذري ، وهو الذي يهدف إلى عدم انتقال جزء من الميراث إلى البنات المتزوجات خارج العائلة . وهناك وقف الدراويش والصوفية ، الذين ينعزلون في زوايا خاصة ، يأكلون ، ويغنون ، ويرقصون ، وهناك وقف على الكلاب والحيوانات الضالة .

ومثل لهذه الأنواع ، بالأوقاف في القدس والخليل ، ثم خلص إلى القول بأن الوقف في الإسلام ، هو تعطيل لمساحات شاسعة من الأرض ، ووقفها على أغراض بسيطة ، ولذلك كثيراً ما عمد الحكام الأذكياء مثل محمد علي باشا ، وجمال عبد الناصر ، إلى إلغاء هذا الوقف ، والاستفادة من الأراضي الموقوفة المعطلة .

ثم انتهى البروفسور من محاضرته ، وفتح باب الأسئلة للحضور ، فانهالت عليه عبارات الاستغراب والاستهجان لهذا النظام الاقتصادي المتخلّف .!

وكان بين الحاضرين ، أحد العرب الذين ينتمون إلى فئة (الخطباء الأغبياء ) ، من الذين لا تزيد معدلاتهم في التوجيهي عن (49+1) ، فضحك ساخراً من جبرائيل ، وممن منحه لقب بروفسور .!!!

طالما لم يجد في الإسلام إلا هذا الموضوع السطحي ، ليتحدث عنه بهذا الأسلوب المهلهل .

ولكن صاحبنا ، ما كان يدري أن بيير هذا ، هو ممثل ( المؤسسة  الفكرية ) في الكيان الصهيوني ، ولقد كان يقوم بدوره بكل براعة ، ممهداً لرجال السياسة ، و ( المؤسسات التنفيذية ) لتضرب ضربتها ، وتطرق على الحديد المحمى ، وتقوم بدورها في مصادرة الوقف الإسلامي في فلسطين المحتلة ، وتحوله إلى مستوطنات جديدة ، للمهاجرين اليهود .

وعندما علم هذا  (الخطيب ) بالحقيقة ، فغر فاه ، وقال : شياطين .! عفاريت .!!!

وللحقيقة نقول : بأن الكيان الصهيوني مليء بهؤلاء العفاريت ، الذين يعملون في الليل والنهار ، لتحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم ، بينما انتكست في عالمنا العربي والإسلامي المؤسسات الفكرية التي تخرّج العباقرة و (الفقهاء ) ، الذين يحسنون اكتشاف وتطبيق القوانين التي تسيّر علوم السياسة ، والعسكرية ، والاقتصاد  والاجتماع ، والتربية ، وغيرها.

ورضي الله عن الصحابي الجليل ، عبد الله بن مسعود ، الذي قال :

( في آخر الزمان ، يكثر الخطباء ، ويقل الفقهاء ). !!!

د . فـواز الـقـاسـم / سـورية


بسم الله الرحمن الرحيم   

لا شيء أصعب على النفوس الإنسانية المخلصة والواعية ، من أن تُعَبأ بأفكار رائعة ، وتنهض للعمل على أساسها ، وتتفاعل  في الحياة بموجبها ، ولربما اتخذت في سبيلها أخطر القرارات والإجراءات ، ثم يتبين لها فيما بعد ، أن ممارسات الواقع وتطبيقاته مناقضة لهذه الأفكار والطموحات ، ومعاكسة لها تماماً .

عندها ، غالباً ما تصاب تلك النفوس المخلصة بالمرارة والإحباط ، ولربما قادها هذا الواقع إلى اليأس والنكوص والارتداد.!!!

وقد تتكرر هذه التجربة أكثر من مرّة ، وعلى أكثر من فكرة ، وفي كل مرّة وكل تجربة تحدث المزيد من الانفجارات الفكريّة ، والانشطارات الحركية ، وغسل الأدمغة ، حتى يصل الشخص إلى حدِّ ( الكفر ) ، بكل ما هو مطروح أمامه من مباديء وقيم وأفكار .

ولهذا فقد حذَّر القرآن العظيم أشدَّ التحذير ، وسخط أشد السخط ، على من هيأ المناخ لهذه الأجواء القاتلة ، فقال : (( يا أيها الذين آمنوا ، لمَ تقولون ما لا تفعلون !؟ كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )) الصف (2) ..

ومن يستعرض السيرة الشريفة ، وعصر الخلافة الراشدة ، يرى القدوة الراشدة ، والتطابق التام بين القول والعمل ، وبين النظرية والتطبيق ، في منهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الراشدين من بعده رضوان الله عليهم جميعاً …

ولذلك فقد بلغ المشروع الإسلامي ، في عهدهم ، أفضل حالاته وأعظمها.

ولقد كانت الأمة عبر تاريخها الطويل ، تشهد أفضل حالاتها ، عندما يلتقيان ( العلم والعمل ) ، وأسوأ حالاتها عندما يفترقان .

وتكاد أحداث العصر الحالي الذي تعيشه الأمة اليوم ، تكون سلسلة من التطبيقات النموذجية لهذا القانون ، ولكن بشكل معكوس .!!!

فمنذ مطلع القرن الماضي ، والساحة العربية والإسلامية ، تعيش هذا التناقض بين القول والفعل ، وبين العلم والعمل ، وبين النظريّة والتطبيق …!!! 

وتتوالى فيها تبعاً لذلك ، سلاسل الانفجارات الفكريّة ، وتتسارع عمليات التصدّع والتخريب ، في جميع المجالات العقائدية ،  والسياسيّة ، والاجتماعيّة ،  والاقتصاديّة.

ففي الميدان السياسي ، مثلاً ، دأبت المؤسسات التربوية والإعلامية ودور النشر ، على شحن الناشئة والمواطنين ، بأفكار الوحدة والحريّة ومقاومة الاستعمار ، والصمود والتصدي للكيان الصهيوني الغاصب ، بوسائل متعددة ، كالكتب الدراسية،  والأفلام السينمائية ، والمحاضرات ، والندوات ، والمؤلفات ، والخطب  والأناشيد ، والأغاني . وحين كان المواطن يستجيب لهذه المؤثرات ، ويتفاعل مع تلك الطروحات  كانت الجهات والمؤسسات التي تبثّها ، تسارع إلى كبته وإحباطه ، بالتضييق ، والعقوبة ، والملاحقة ، حتى تخنق تلك المشاعر في وجدانه خنقاً .!!!

وإذا ما خطر على باله أن يهاجر خارج وطنه ، إلى الأقطار العربية والإسلامية ، فإنه سرعان ما يصطدم أيضاً ، بتطبيقات وأعمال تتناقض وتتعارض ، مع كل ما شحنت به روحه المتوثبة ، من أفكار وأحلام ، عن الوحدة والحريّة والديمقراطية ، حيث يفاجأ بحواجز : جواز السفر الإقليمي ، والتأشيرة الإقليمية ، والإقامة الإقليمية .

وفي المقابل  يرى بأم عينيه ، أبناء الغرب ( أبناء الاستعمار ) ، الذين طالما صدحت الحناجر بسبّهم ولعنهم على المنابر صباح مساء ، كيف يُعاملون في بلاد العرب والمسلمين ، كخواجات  ، ومواطنين من الدرجة الأولى ، وكيف تقدّم لهم كل التسهيلات والمساعدات .!!!

والنتيجة الطبيعية ، أن يصاب هذا الشخص وأمثاله بسلسلة  من الإحباطات والانشطارات النفسيّة ، التي ( تغسل من دماغه )، كل إيمان بالوحدة ، وكل ثقة  بالعرب والمسلمين .

وهذا بالضبط ، ما يريده ( فقهاء الاستعمار ) ، الذين يخططون لأمثال هذه المسلسلات بكل خبث ودهاء ، ولذلك فهم لا يضيرهم أن تكتب عشرات المجلّدات ، وأن تلقى آلاف الخطب والمحاضرات والندوات ، التي تلعن الاستعمار ، وتسبُّ المستعمرين ، ولكنهم لا يسمحون لعملائهم ، من السياسيين والعسكريين ، الذين سلَّطوهم على رقاب هذه الأمة المنكوبة بهم ، بتطبيق ولو فقرة واحدة ، أو بند واحد ، من البنود العملية ، التي تخص وحدة الأمة و حريّتها و كرامتها . !!!

وفي الميدان العقائدي ، برزت أحزاب وجماعات  في مطالع القرن الماضي أيضاً ، ورفعت شعارات الوحدة والإصلاح ، وطرحت أفكار طموحة ، وأيديولوجيّات رائعة ، وأقبل الإنسان العربي والمسلم عليها ، وانتظم في صفوفها ، وقرأ أدبياتها ومنشوراتها ، واستمع إلى خطبائها ووعّاظها ، وحقنوه بشعارات الوطنية ، والقومية  ، والإسلامية ، والجهاد ، فتفاعل معها ، وانضوى تحت لوائها ، ثم لم يلبث أن تعرّف على السلوك اليومي لقادتها وزعمائها ، فرأى ما يفطِّر القلوب ، ويفتِّت الأكباد ، من الفصام النكد بين القول والفعل وبين النظري والعملي  .!!!  

وهكذا ، توالت الانفجارات الفكرية ، واستمرَّت الانشطارات في الجماعات والمجتمعات العربية والإسلامية ، وكانت في كل مرّة تدفع بالمواطن العربي المسلم إلى المزيد من الهجرة والسلبية والنكوص والارتداد  .

بينما كان ( الفقهاء) على الجانب الآخر لدى أعداء أمتنا ، الذين فهموا بعمق قوانين التاريخ ، و( فقهوا ) سننها ونواميسها في بناء الأمم والحضارات ، يصلون الليل بالنهار ، لتطبيقها والإفادة منها .

ففي الكيان الصهيوني مثلاً ، بدأت الحركة الصهيونية بدايات القرن الماضي ، باستجلاب مجاميعها المهاجرة من جميع أرجاء الأرض ، والتي كان لكلٍ منها وطنها ، وتاريخها ، وثقافتها ، ولغتها ، ونمط حياتها ، ثم مضت القيادات الصهيونيّة ، وجلّها من ( الفقهاء ) و( أولي الألباب)، تعيد صهر تلك المجاميع المختلفة ، وتصنع لها روابط جديدة من الدين المشترك ، والتاريخ المشترك ، والثقافة المشتركة .

ولقد تمثّلت تطبيقات هذه الروابط الجديدة ، في المزارع التعاونية المشتركة التي يسمونها ( الهستدروت) ، والتدريبات العسكرية المشتركة ، والممارسات الديمقراطية المشتركة ، والمعارك الحربية المشتركة ، والانتصارات العسكرية والسياسية المشتركة ، والمؤسسات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والصناعية المشتركة ، والحريات المشتركة ، وتقديس اليهودي ، ورفع مكانة العنصر الصهيوني ، وتبديل جثّته إذا مات في المعركة ، بألف حيّ من العرب والمسلمين…!

وهكذا نشأت أجيال في الكيان الصهيوني الغاصب ، لها تاريخ مشترك ، ودين مشترك  ، وثقافة مشتركة ، يحبون وطنهم ، ويتفانون في خدمته ، أكثر مما نحب نحن  كرة القدم .!!!

بينما في المقابل ، وعلى الطرف العربي والإسلامي ، حيث يغيب (أولو الألباب) عن دفة القيادة والريادة ، ويتصدى (الأغبياء) و(الخطباء) و ( والعملاء )، من أصحاب المعدلات في الثانوية العامة (49 + 1) ، كان يتم تفكيك روابط الدين المشترك ، والتاريخ المشترك  ، والثقافة المشتركة ، لتحل محلها الروابط الإقليمية الضيقة .!!!

فهناك تاريخ مصري مشترك ، وتاريخ سوري مشترك ، وتاريخ أردني مشترك ، وتاريخ مغربي مشترك ،  وهكذا …

ومكونات هذا التاريخ الإقليمي المشترك ، هي الدويلات الإقليمية ، والسفارات الإقليمية ، والجوازات الإقليمية ، والأعلام الإقليمية ، والأعياد الإقليمية ، والأغاني والأناشيد الإقليمية ، ونظم التربية الإقليمية  ..!!!

وفي الوقت الذي كنا نؤمل فيه ، أن تصحِّح الحركات الإسلامية هذا الواقع الأليم ، وتقوّم هذا المسار المنحرف ، بالممارسة الحقّة ، والتطبيق القدوة ، إذا بها في كثير من الأحيان نسخة باهتة للواقع الشرقيّ الذي تحياه ، وصورة كالحة للوضع العربي الذي تعيشه …!!!

ولكن الأمل بالله كبير ، فالأمة لم تمت بالرغم من كل مظاهر الضعف البادية عليها ، وسيأتي اليوم الذي تستأنف فيه دورها القيادي والحضاري في البشرية بإذن الله (( ويسألونك متى هو ، قل : عسى أن يكون قريباً ) صدق الله العظيم .

د . فواز القاسم / سورية


بسم الله الرحمن الرحيم  

إن صحة أية جماعة ، أو أمة ، أو مرضها ، أساسهما نابع من صحة العقيدة والفكر أو مرضهما …

قال تعالى : (( إن الله لا يغير ما بقوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم )) الرعد(11) …

هذا في التغيير الإيجابي ( أي التغيير من الأسوأ إلى الأفضل ) …

وقال : (( ذلك بأن اللهَ لم يكُ مغيِّراً نعمة أنعمها على قوم ، حتى يغيِّروا ما بأنفسهم )) الأنفال (53) ، وهذا في الجانب السلبي ( أي التغيير من الأفضل إلى الأسوأ ) .

ولشرح هذا القانون نقول : إن كل مجتمع إنساني يتكون من ثلاثة عناصر رئيسيّة هي  ( الأفكار ) و ( الأشخاص ) و ( الأشياء ) .

وترتبط هذه المكونات الثلاثة فيما بينها بعلاقة معينة ، تتبدل طبقاً للزمان والمكان .

وبحسب نوع العلاقة بين مكونات هذا الثالوث ، تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد والجماعات ، ويتشكل محور الولاءات في المجتمع ، ويتحدد منهج الفهم والتفكير الذي يسود فيه ، ويترتب سلّم القيم الذي يوجه أنماط السلوك بين أفراده .

فإذا كان الولاء في الجماعة أو الأمة ( للأفكار ) ، ويتقدّم فيها أهل ( الفكر ) فهي جماعة أو أمة ناضجة ومتحضِّرة ، وتكون في أعلى درجات صحتها وعافيتها ..

وفي هذه الحالة يتسلم مراكز القيادة والريادة ( الأذكياء ) ، الذين يحسنون مجابهة التحديات ، واتخاذ القرارات . والذين يتسم منهج تفكيرهم بالعمق والدقة والعلمية والشمول ، فيسخّرون طاقاتهم ، ويفنون أعمارهم ، في العمل للقضايا  الكبيرة  والخطيرة التي تهم أمتهم ، وتدور جل اهتماماتهم حول قضايا مجتمعاتهم ، ومصلحة أوطانهم .

وحين يكون الولاء في الجماعة أو الأمة ( للأشخاص ) هو المحور ، وتدور أفكار الناس في فلك الأشخاص ،  فإن السمة الغالبة لمثل هذا المجتمع ، تصبح هيمنة محبي الجاه والنفوذ ، وسيطرة أصحاب القوة والسطوة ، الذين يسخِّرون (الأفكار والأشياء) معاً ، لمصالحهم الشخصيّة ، ورغباتهم الأنانية …

وهنا ينحصر التفكير في مصلحة الذات أو الفئة ، لا غير ، ويتَّصف بالضحالة والتفاهة والسطحية ..

وتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والخصومات والمهاترات الحزبية والشخصيّة والعائلية  .

وتسيطر هذه التفاهات على التفكير والتدبير ، إلى الحد الذي لا تترك فيه متّسعاً للقضايا الكبرى ، والتحديات المصيريّة .

أما حين يكون الولاء ( للأشياء ) ، وتدور ( الأفكار والأشخاص ) في فلكها ، فهنا الطامة الكبرى ، والمصيبة العظمى .!

حيث تصبح الهيمنة في الجماعة أوالأمة لأرباب الأموال والتجارات والاستثمارات ، وتسود ثقافة الترف والاستهلاك ، وتُداس القيم والاعتبارات ، وتصبح الأفكار والمباديء ، مجرَّد سلع ومواد للاستهلاك المحلِّي .!!!

وهنا يتعطل الفهم والتفكير ويصابان بداء الشلل ، وينشغل المسلمون بأشيائهم وحاجاتهم ورواتبهم ، لا يعرفون معروفاً ، ولا ينكرون منكراً ، وفي النهاية تلفظ الجماعة أو الأمة أنفاسها الأخيرة ، مصداقاً لنبوءة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم  الذي قال : (( والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها ، فتهلككم ، كما أهلكتهم )) مسلم .

وإذا أردنا أن نستعرض التطبيقات العملية لهذا القانون فهي كثيرة ، ففي عصر النبوة  كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يعمّق الولاء للفكرة ( وهي العقيدة ) ويجعله محور العلاقات الخاصة والعامة في المجتمع المسلم ، وكانت ( أشخاص) المسلمين و( أشياؤهم ) ، تدور في فلك الولاء للفكرة الإسلامية ، تطبيقاً لقوله تعالى : (( إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة )) التوبة(111)

وبعد عصر النبوة ، جسّد الخلفاء الراشدون هذا الولاء للفكرة الإسلامية أروع تجسيد  ، ورصدوا أشخاصهم وأعمارهم وأشياءهم  لنشرها ، في الخارج : بالجهاد والتضحية والشهادة . وفي الداخل : بالعدل ، والقدوة  والشورى .

ثم كان المنعطف الخطير بعد عهد الراشدين ، رضوان الله عليهم ، يوم بدأ رجال السياسة ، بتطويع رجال الفكر والشورى لأشخاصهم ، بحجة الحرص على الفكرة ، والغيرة على الدولة .

ثم ازداد هذا النهج وتفاقم ، يوم راح رجال السياسة يطاردون رجال الفكر ويضطهدونهم ، كلما استعصوا على الولاء للأشخاص .

ثم تلا ذلك تطور آخر ، حيث انتقل الولاء فيه للأشياء ، واشتغل المجتمع الإسلامي بالدنيا ، وتنافس الناس في جمع الثروات ، وتكديس الممتلكات ، وشراء العقارات ، وصارت علاقاتهم ومنازلهم تتحدَّد طبقاً لهذه التوافه الرخيصة .!!!

وهكذا وطبقاً لهذا المنهج ، فإننا نستطيع أن نميز بين ثلاثة مشاهد في التاريخ الإسلامي : ففي قرون الولاء للفكرة الإسلامية ، تجمعت كلمة الأشخاص ، وترسَّخت وحدتهم ، وازدهر أمرهم ، وبان عزهم ، وعزَّ نصرهم .

أما في قرون الولاء للأشخاص ، فقد برزت الصراعات الأسرية من أجل الخلافة ، وتشرذمت الأمة ، وتوزعت ولاءاتها حول الأشخاص والعوائل والمذاهب ، واشتغل المسلمون عن العدوّ الخارجي بالحروب والصراعات فيما بينهم .

وحين انتقل محور الولاء إلى الأشياء ، انحدر المجتمع الإسلامي إلى الحضيض ، وتمزَّقت شبكة العلاقات الاجتماعية  حتى داخل الأسرة الواحدة ، أو المذهب الواحد .

وصارت الشعارات الفكرية ، بعض سلع التجارة ، ووسائل الترف …!!!

الأمر الذي أدى إلى وفاة المجتمع الإسلامي آنذاك ، ومجيء الجماعات الصليبيّة والمغوليّة ، لتعلن نبأ وفاة المشروع الإسلامي ، وتقوم بمراسيم دفنه وإهالة التراب عليه . !!!

 

د . فـــواز الـقـاسـم / ســورية

 


بسم الله الرحمن الرحيم 

إن تغيير واقع أية جماعة أو أمة ، ونقله من حالة التردي ، الى حالة النهوض ، إنما يتمّ بطريقين ، أو خطين:

الخط الأول : وهو الخط النازل ( من الأعلى إلى الأسفل ) ، وهو خط التغيير الأساسي في الجماعات والأمم ، وأعني به خط القيادة . فإذا تهيأت للجماعة أو الدولة أو الأمة ، قيادة راشدة ، تتحقّق بمواصفات متميّزة . فإنها تستطيع أن تنهض بها الى المستويات التي تليق بها ، وتحلّق بها في الآفاق التي تعيشها ، ثمّ تقودها بعد ذلك بخطى واثقة ، وأقدام راسخة ، لتحقق بها ما تصبو اليه من أهداف ،  وما تتطلّع اليه من طموحات …

من أجل ذلك فقد أرسل الله الأنبياء والمرسلين ، من لدن آدم ، الى سيدنا محمد ، صلوات الله عليهم أجمعين ..

وكان كلما طال الزمن ، وخلا رسول ، وضلّت البشريّة طريقها ، يرسل رسولاً ، مجدّداً للمبادئ ، وموقظاً للضمائر ، وباعثاً للهمم ، وقائداً وقدوة على الطريق …

قال تعالى : ((إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ، وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير )). فاطر(24).

ومن أجل ذلك أيضاً ، فقد كان الأنبياء والمرسلون بشراً عاديين ، ليجتهدوا في تطبيق التكليف الرباني في أقصى كمالاته البشرية ، وليتمكن أتباعهم من تقليدهم ، والتّأسي بهم ، والسير على منهجهم

قال تعالى : ((وما أرسلنا قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) الأنبياء (7).

وقال : (( وما أرسلنا قبلك من المرسلين ، إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيراً )).الفرقان (20).

والخط الثاني : في عملية تغيير واقع الجماعات والأمم ، هو الخط الصاعد ، وهو الخط البديل ، والرديف للخط الأول (خط القيادة )…

وهو يعني أن يتحرك أفراد من أبناء الأمة وجنود الدعوة ، ويتساموا في مدارج المعالي والكمال البشري ، بما يحملون من فكر متّقد ، وحركيّة واعية ، وحيويّة متفجّرة .

ومن خلال حركتهم ، وحيويّتهم ، وتفاعلهم ، ستقذف بهم الأحداث الى مواقع المسؤولية والقيادة حتماً . لأن هذه هي سنة الحياة ، وهذا هو قانون الوجود . قال تعالى : (( فأما الزبد فيذهب جفاءً ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) . الرعد (17).  ومن خلال مواقعهم تلك ، ينهضون بالأمة الى الآفاق التي يحلّقون بها  ويقودونها لتحقيق الأهداف و الطموحات التي نذروا حياتهم من أجلها

ولذلك ، لما شاءت إرادة الله ، أن تختار محمّداً صلى الله عليه وسلم، ليقود هذه الدعوة المباركة في آخر حلقة من حلقاتها ، وليكون خاتم أنبياء الله ومرسليه . قال تعالى : (( ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين ، وكان الله بكل شيء عليما)). الأحزاب (40).

فقد أوكلت مهمّة التغيير والإصلاح من بعده الى جنوده وأتباعه ، لأن الإسلام العظيم هو دين العمل والمبادرة والإيجابيّة ، وهو يمقت الخنوع والكسل والسلبيّة ، ويطالب أتباعه دوماً بالعمل على ترشيد الحياة ، وقيادتها ..

قال تعالى: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)). الأحزاب (21)

وهذا هو معنى بشارة النبي صلى الله عليه و سلم لهذه الأمة ، بأن يبعث الله لها على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها أمر دينها ، وليس ذلك المجدّد _ الذي تناط به مهمة التغيير في الأمة _ إلا واحد من الذين فهموا بعمق منهج النبوة الراشد ،  وعملوا بكل ما يستطيعون على التأسي به ، واتباعه ، وتطبيقه...

 د . فواز القاسم / سورية



الحقوق محفوظة موقع الدكتور فواز القاسم | تصميم وتطوير : بلال القاسم